بسم الله الرحمن الرحيم
-----
السلام عليكم إخوتي الأحبة
بعد البسملة الشريفة أستفتح بفتوح رباني سائلا الله تعالى أن يفتح علينا فتح العارفين وأن يرزقنا صدق النية وصفاء القلب وحسن البيان
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم
شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ
الناس قد تمل من الحديث المتكرر فهي تميل أكثر إلى الإثارة وإشباع الرغبة في الغرابة والعجب.
لكن الباطن ليس كما يظن البعض الحكم فيه جانب من جوانبه وليس هو مجرد ممارسة للعلاج أو تعامل مع الجن والأرواح وسائر المخلوقات الخفية
الباطن حقيقة واسعة أعمق من أن تحصر في هذه الصور وأرقى من أن تختزل في جانب واحد
هو علمُ تهذيب للنفس ونور بصيرة وإتصال صادق بالله قبل كل شيء.
الجذب الباطني فهو ليس أمرا سهلا ولا عاديا بل هو تجربة دقيقة يعيشها القلب قبل العقل وهناك نوعان من الجذب جذب كاذب وجذب حقيقي
الجذب الكاذب هو إندفاع نحو التملك والسيطرة وتحقيق المرغوبات يبدو كأنه قوة دافعة لكنه في العمق متعلق بالرغبة والأخذ وإثبات النفس
يقود صاحبه إلى الحركة لكنه قد يحجبه عن جوهر الأصل.
أما الجذب الحقيقي الدائم والمندفع فهو جذب غامض لا تفسير جاهزا له فيه صراع خفي ظاهر وحضور دائم في الداخل عجيب في أعماق النية لأنه لا يقوم على الطلب بل على الشوق والحنين شوق يقول في صمت أين كنت هذا إنتمائي هذا مقصدي
هو نداء داخلي صادق لا يصرخ لكنه واضح لا يدفعك لتأخذ بل لتعرف لا يملأ يدك بل يوقظ قلبك وعندما يصل القلب إلى لحظة الصفاء ويقول "ها هو" تتحرك الأقدار بإذن الله تعالى في وقتها المناسب وتلتقي الأرواح بما كتب لها
ذلك هو الجذب الذي يعيد الإنسان إلى أصله ويقوده بنور الهدوء لا بضجيج الرغبة
عندما يقول القلب في صدقه "ها هو" تجتمع الأقدار بإذن الله تعالى ويلتقي الوقت والمكان ومن فيهما على الصورة المناسبة لا يكون ذلك بتخطيط العقل وحده بل بنداء داخلي صادق كأن الروح تعرف طريقها حين ترى الإشارة.
هذا هو الجذب الذي يبحث عن الأصل الحقيقي جذب لا يقوم على الرغبة في الأخذ بل على الشوق إلى المعرفة لا يطلب المظاهر بل يحن إلى الجوهر يقود صاحبه بهدوء ويكشف له الطريق خطوة خطوة حتى يقترب من الحقيقة التي خلق لأجلها
الجذب الأول يحجب صاحبه عن جوهر الأصل لأنه قائم على الرغبة في الأخذ والإنتفاع يسافر ليقطف ويجمع ويظن أن ما أخذه هو الغاية فيتوقف عند الثمرة ولا يبحث عن الشجرة.
أما الجذب الثاني فيدفع صاحبه إلى السفر من أجل معرفة حقيقة الأصل قد يقطف ويأخذ لكنه يعلم أن القطف جزء صغير جدا من الحقيقة الكبرى يستفيد لكن قلبه متعلق بالمصدر لا بالعطاء وحده
القطف مهم لأنه يعين في الطريق لكن معرفة الأصل تعيد بعث الروح من جديد فيتحول الإنسان من آخذ إلى مُعين ومن طالب إلى خادم للمعنى.
وهذا مقام عالى بالله تعالى رفيع جدا وعظيم الشأن مقام من جمع الله تعالى له وجوها من الخير والهداية حتى صار نفعه ممتدا يسميه أهل الطريق مقام القطب الغوث مقام ملائكي ملاكوتي علوي أعلى المقامات الشريفة والأوسمة الإلهية في بعدنا الارضي
والله تعال العالي والأعلى و العالم والأعلم والعليم بالمراتب والحقائق وحده لا شريك له فهو وحده العليم بمن بلغ سقف ما يُفتح له من الحقيقة.
في هذه المرحلة التي نعيشها في الدنيا لم نُكمل كل السفر بل ما زلنا في محطة من محطات الطريق رحلتنا أقدم من وجودنا هنا وأوسع من حدود ما نراه ونعيشه
الدنيا مرحلة من السير فيها تعلم وإختبار وفتح ولها سقف من الوعي والفهم والبلوغ فإذا بلغ الإنسان ما كُتب له فيها إنتقل إلى مرحلة أخرى ولكل مرحلة أفقها وسقفها ومعانيها.
السفر الروحي لا يقف عند حد والمعنى فيه واسع كلما ظن القلب أنه وصل إنفتح له باب جديد من المعرفة فلا البداية محصورة فيما نعرف ولا النهاية تقف عند صورة واحدة فمعرفة الله تعالى لا بدية ولا نهاية لها.
الدنيا ليست أول المراحل في ميزان الحكمة بل هي محطة من محطات الوجود جعلها الله ميدانا للوعي والرجوع والتعرف حتى يستعد القلب لما هو أوسع وأبقى هي إختبار لطيف من اللطيف تعالى.
تأتي المرحلة الثانية وتسمى آخرة الدنيا وهي مرحلة من مراحل السير في بعدنا الأرضي فقبلها عوالم أخرى وبعدها عوالم أخرى
والسفر أوسع مما نتصور والمعاني أعمق مما نحده بالكلمات.
نحن في رحلة بقاء السفر طويل في معرفة الله تعالى ومعرفته لا نهاية لها الأصل واحد ومنه تتفرع الأسفار كلها تنتهي المراحل ويبقى هو بلا نهاية
ليست الجنة والنار مجرد صور حسية من نعيم أو عذاب فقط ولا الأمر محصورا في زواج وعدد وقوة ومتاع هذه صور تقرب المعنى للعقول أما الحقيقة فهي قرب أو بعد نور أو حجاب حضور أو حرمان.
الجنة في عمقها قرب ورضا ونور في القلب راحة والنار بُعد وحسرة وظلمة في الروح عذاب والمعاني أوسع من الوصف وأعلى من التشبيه.
فالطريق طريق معرفة والسفر سفر رجوع إلى الأصل وهو الله تعالى وحده لا شريك له.
كل مرحلة باب وكل باب يفتح لما بعده والله هو الغاية وهو المنتهى.
السفر طويل لاينتهي وسفر النفس لما ينتهي يبدأ السفر الحقيقي الذي لا ينتهي.
لا اله الا الله وحده لا شريك له
الله يرحم الوالدين الكرام.