أبعاد الدين (1)
الشريعة هي جسد الدين، والجسد يحيا ويموت. هكذا هي الشريعة، قد تكون حية وقد تكون ميتة. في رحاب المسيح تكون الشريعة قلباً ينبض بالحياة… في رحاب الرسول محمّد تكون الشريعة كزهرة صَحَت من نومها حين داعبها نسيمُ فجرٍ جميل، ففتحت بتلاتها حتى يرويها الندى… وحين يرحل السيد المستنير، حين تغيب الشمس مصدر النور بحلول المساء، يبقى النور في سمائنا لوقت قصير ثم يرحل تاركا لنا*ظلاما نتحدث بلسانه عن النور وباسم النور. السيد المستنير هو الروح لجسد الدين، الشمس التي تبعث لنا النور… غياب الروح يعني موت الجسد، وغياب النبي والمسيح يعني أن الروح قد فارقت جسد الدين. والجسد الميت يشبه الجسد الحي عدا أن الأول لا حياة فيه، والناس تتعلق بالأشكال وتهوى الأجساد، ولا تناشد أي حقيقة أبعد من هذه الأبعاد. هكذا بقيت الناس تؤمن بأن الشرائع في يومنا هذا حيّة، وبأن نهر الحياة لم يجفّ فيها بعد أن أصبحت حبراً على ورق.
*
*
هذا ما يبقى من الشرائع، وهذا هو الجسد بعد أن فارقته الحياة… بقيت الواجبات والطقوس والنصوص، وضاع المفتاح الذي يُحوّل النفوس. الطقوس لا تلامس النفوس ولا تبني كيان إنسان نقي، مُحب، واعٍ ورحيم. قد كانت جيدة في زمانها وسياقها ووقتها لإبقاء الإنسان بعيداً عن تدمير ذاته وتدمير الآخرين قدر الإمكان… لإبقائه مهذباً محترماً في مجتمعه دون أن يتجاوز حدوده مع نفسه ومع غيره. هي اجتماعية وليست روحية. ومنذ عصور خلت وحتى هذا اليوم، هي سياسية وليست دينية. السياسة ترتدي الدين قناعاً لها لتحقيق أهدافها.
*
*
المستنير هو النور الإلهي الذي به يحيا جسد الدين ويتنفّس، ومتى ترك الله شيئاً تملّكه الشيطان (الوَهم والخداع). استولى عليه الشر وأصبح وسيلة لتحقيق أهداف خبيثة، ولسانا يستخدم الحق لخدمة الباطل. الجسد الميت هو بوابة يدخل الشر من خلالها إلى العالم ويزرع أفكاره بين الناس. السياسي هو ذلك الشيطان… هو هذا الشر يجد الدين وسيلة يعبّر بها عن نفسه. كثيرون لن يروا الشر خلف الستار… كيف يرونه وهو يرتدي ستار الدين؟ الناس لا تهتم سوى بالشكل والمظهر . ومتى ما رأت الحشود أحدهم يتحدث باسم الدين، غاب عن وعيها أن الدين الذي يتحدث عنه مجرد كلمة على اللسان، وأن خطبته ووعظته كلمات تدخل الآذان ولا تلامس قلب ولا وجدان. بل على العكس، هذه الكلمات تلبس قناع الدين لتخفي وراءه قبح النوايا.
*
*
الإنسان هو المسئول… هو من سمح للفكر الماكر باحتلال وعيه وتغييبه، حتى أصبح اللا وعي حالة جماعية دفعت بالناس لأن تسلّم أمرها ومسؤوليتها للحكام وأتباعهم من رجال الدين، دون أن يعلموا أنهم سلّموا معها حريتهم وحقهم في الحياة أيضاً.*
*
*
علاقتنا بمن نحب، بأطفالنا هي علاقة أنا والشيء… جسد مع جسد… كل ما نعرفه عن بعضنا هو الأشكال… ومعرفتنا سطحية مزيفة. الشكل الخارجي غير الحقيقة الداخلية… الجسد المادي الفاني غير النور الخالد الأبدي، لدرجة أنه إذا زارك حبيبك بروحه لا بجسده فإنك لن تتعرف عليه وستخاف منه. كيف تتعرف على ما تجهله؟ كيف تؤمن بأن جسد من تحبه يحوي روحاً أبدية، وأنت ترى نفسك وتعاملها كجسد؟*
*
*
تخيّل معي لو أننا نحيا في عالم لا مرايا فيه، هل ستعرفون أنفسكم إذا أتوا لكم برؤوسكم وأهدوكم إيّاها؟ من هنا يعجز ذلك الذي حَدّه جسده عن التعرّف عمّا هو أبعد من جسد الدين، من الشريعة. حين يمشي المسيح أو محمّد أو بوذا أنت تراقبه وهو يمشي، يأكل، يجلس، يتكلم، يلبس ويعبّر.
مجموع هذه الأشياء يخلق ما تسميه شريعة… محاولة لتقليد السيد المستنير والتصرف مثله… مجموع هذه الأشياء تخلقون منه قواعد وأحكام تحاولون أن تتقيدوا بها وتطبقوها. هذا هو البعد الأول للدين وهو الشريعة.
*
على هذا المستوى تحيا بقايا الأديان في يومنا هذا دون استثناء. الناس تؤمن بالشريعة… الناس تهوى أن تسلك الدرب القصير… تهوى التقليد لأنها لا ترى سوى الأشكال. لا ترى ما الذي جعل المسيح أو محمّد أو بوذا يمشي وحوله هالة نور تنير القلوب وتشفيها من آلامها وشقائها. الناس لا تريد أن تشرب من نفس النبع الذي تحمّل المستنير مشقة عمر مديد حتى شرب منه وارتوى… لا فالناس لا ترى سوى الأفعال… وهذا أصل النفاق. لهذا لن تتمكن من إيجاد مجتمع متدين. كل الحشود والمجتمعات تجهل ما هو التدين الحق، وتبقى سياسية لا متدينة. الفرد يصل للتدين لا الجماعات، وكيف للفرد أن يكون سياسياً منافقاً في وحدته وتوحدّه؟ من سينافق؟ من سيجامل؟ ومن سيساوم؟
*
*
وحدتك ووحشتك وإحساسك بغربتك بين الناس، وبالألفة والمحبة بين أحضان ذاتك والطبيعة وتحت السماء، هي السبيل إلى توحّدك وتديّنك. أنت لا تتبع أحدا ولا تهتف باسم أحد، فكيف تكون سياسياً؟ أنت تحيا داخل قلبك وفي قلب ربك وهذا هو درب توحّدك… الآخر ضرورة حتمية لولادة السياسة من رحم المجاملة بينك وبينه. السياسة تحتاج الجموع، الحشد والشعوب لتخرج إلى الحياة، بينما الدين لا يحتاج سوى أنت. وحدتك مع نفسك هي جسرك ومعبرك وخلاصك. لهذا تجد المستنيرين/الأنبياء/الحكماء قد فروا إلى الجبال وابتعدوا عن الحشود، وأضاؤوا شمعتهم بنور وحدتهم.
*
*
الحشود تهمها المظاهر لأنها تحيا حياة مزيفة قائمة على المظاهر، ومتى أصبح الدين مظهراً لا جوهراً تحوّل إلى نفاق ظاهر. ترى الحشود تسأل المستنير والنبي والحكيم عما يأكل وكيف ينام وماذا يفعل صباحاً وظهراً ومساءاً… هل هذا كل ما يهمنا؟… تصرّف الإنسان لا يساوي كيانه ولا يعبر عنه.. ما يأكله المستنير ليس بالمهم، ما يلبسه أو ما يفعله في حال من الأحوال… ما يهم هو أن يلامس نور جوهرته نافذة كيانك، فتفتح أبوابها لترى نور جوهرتك أيضاً. مراقبة أفعال المستنير تعني ولادة الشريعة… أنت تردد كلامه وأفعاله وأقواله… وهذا جيد طالما أن النبي والحكيم لا يزال في جسده، فحضوره ينير الحروف بنوره الذي يتعدى كل الحروف… لكن ماذا ستفعل حين يرحل؟ سوف تعبد أجسادهم وكلماتهم، وتقيم الحروب لأجلها. حروب بدأت باسم الشرائع ولم تنتهِ بعد.
الأديان جسر يعبره الإنسان للتعرف على ما يحويه بنيانه وكيانه من أبعاد ومستويات تتجاوز حدود اللغة التي يخاطبه بها النص الديني، وتصل به حيث تعجز الكلمات. كيان الإنسان يحوي أبعادا لا تُعد ولا تحصى، أهمها ثلاثة: الجسد والفكر والروح. هذه الأبعاد ترمز إلى ثلاثة وجوه .
لنا حق الاختيار في أن نحيا على مستوى الجسد أو الفكر أو الروح. وكلمة الحق التي جاء بها المستنيرون/الأنبياء/الحكماء، لها الحق في أن تتجسد بأيّ وجه تشاء، لتخاطب الإنسان بما يفهمه عقله ويستوعبه وعيه. وقد رأيناها تتجسد عبر الأزمنة على ثلاثة مستويات: جسد وفكر وروح. هذه المستويات الثلاثة كانت الحديقة التي نمَت في تربتها بذرة الثلاثية في الأديان.
*
*
مَن كان يحيا الحياة كجسد يأكل ويشرب وينام، لا يُغويه سرٌّ أو خَفى، ولا يخاطب وجدانه إحساس، لن يرى من الدين سوى جسده، شكله وطقوسه، أوامره ونواهيه، ولن يفقه أسراره وخوافيه، جوهره ومعانيه. ومَن كان يحيا الحياة بعقله وعواطفه، والعواطف هي ردة فعل العقل عبر الجسد، سيحيا البعد الثاني للدين، البُعد النفسي والإدراكي الحسي. أما جهل الإنسان لذاته العليا ووعيه الأكبر الذي يوحده بالأكبر من أي اسم وفهم وتصوُّر، فهو حاجز بينه وبين جوهر الدين، بينه وبين البعد الثالث الأعمق والأبعد من أي بُعد. موت هذا الجهل هو ولادة الدين بجوهره وأرقى صوره… هو ولادة الإنسان من الروح القدس وفي قلب الله… هو الإنسان يحيا كروح تحررت من سجن الجسد والفكر.
*
*
وجوه الدين الثلاثة والتي تُجسِّد الجسد والفكر والروح هي: الشريعة والطريقة والحقيقة.
*تحدثنا عن جسد الدين ، وهي الشريعة.
الطريقة هي البعد الثاني للدين. والكلمة مستمدة من الطريق، من الدرب الذي نسلكه في رحلة عودتنا من الخارج إلى الداخل، من العالم إلى أنفسنا. الطريقة هي جناح يطير بنا من الاعتقاد إلى الرؤية، من التفكير إلى الفعل، ومن الحلم إلى الحقيقة. هي الجسر الذي نعبره للوصول من الشريعة إلى الحقيقة.
*
*
الحقيقة هي البعد الثالث للدين. والكلمة مستمدة من الحق، أي الحقيقة صافية شفافة دون تلويث أو تحريف. وهي روح الدين. أولاً الشريعة ومن خلالها تجد المجتمع والسياسة والأوامر والنواهي والأخلاق… بسبب الشريعة نجد في كلام الأنبياء العديد من القواعد والأحكام التي تناسب سياق مجتمع ما في زمنٍ معيّن. إنها المستوى الأكثر سطحيّة، ولا ثبات لها أو استقرار مع تغيّر الأزمان.
*
الطريقة هي التقنية التي تساعد الإنسان في التعرف على ذاته وعلى الأكوان. إنها قادرة على تحويل الإنسان من الداخل بطرقٍ علميّة خيميائيّة. إنها تحرر الفكر من المعتقد فلا تبدّله بآخر، بل تتجاوز الفكر وتنتقل بصاحبها إلى حال التجربة الروحية… اختبر بنفسك دون أن تسأل وتفكر وتعتقد… لا تسأل أين هو الله وما هو الله وإلى أين سأذهب بعد الموت… الطريقة والتقنية أمامك. استعملها ولا تدعها تستعملك… منها وبها سترى بنفسك وتختبر وستعلم دون أن تفكر وتسأل وتعتقد. لا فائدة من كل الكلام، تعال واختبر.. لا فائدة من الكلام، فكيف سأقنعك بوجود السماء إذا كنت تجلس في غرفة مغلقة؟ كيف أقنعك بوجود النور إن أطفأت شمعتك*وملأت العتمة وعيك؟*
*
*
لا فائدة من الكلام والنظريات والفلسفات لأنها لعبة العقل، وإن نجحت في إقناعك بما أعتقد فلن يتغير حالك… ستبدّل معتقدك ونوعية فكرك، وستظل على حالك داخل غرفتك لا تعلم شيئا عن السماء… إذاً تعال واختبر. التأمل هو الباب… لماذا تريد أن ترى بعيوني؟ لماذا تريدني أن أرى وأسمع عنك؟ لما لا تفعل هذا بنفسك؟ ما هي الفلسفة؟ إنها محاولة جلب الحقيقة إلى مستواك حتى تفهمها وتعقلها… وهذا مستحيل… وهل بإمكان الأصغر أن يحوي الأكبر؟ الطريقة هي محاولة لتحويلك والارتفاع بك أنت إلى مستوى الحقيقة… لا تنتظر أن يأتي النبع إليك حتى تشرب… اذهب أنت إليه واشرب.
*
السيد المستنير، السيد الحق هو من يعدك بشيء واحد فقط… الموت. ستموت كجسد وفكر، وتولد كروح. إنها الولادة التي ينتظرها الوجود ليحتفي بك. إنها موت البذرة فيك لتولد النبتة وتزهر وتحقق مصيرك وقدرك وتجد النعمة في توحّدك. السيد الحقيقي هو صليب يصلب ماضيك ومستقبلك لتقوم روحاً حية تحيا اللحظة في يقظة…
*
*
أنت تولد في مجتمع، والمجتمع لا يعرف من الدين سوى الشكل الخارجي، الشريعة. لا تدعه يقيّدك ويحُدّك، بل امشِ على جسور الطريقة لتعبرها وتصل بك إلى الحقيقة.
اوشو