عندما ينبري البعض منا لمناقشة اسباب تأخرنا وجمودنا الحضاري وارجاع بعض هذه الأسباب الي ثقافة النقل والتلقين وانتصارها علي ثقافة العقل والتفكير نجد ان من يعتقدون,, و لا أدري لماذا,, اننا نهاجم الاسلام ينبرون من منطلق غيرتهم علي الدين في تذكيرنا بأمجاد الاسلام و الاستشهاد بعلماء عهود الازدهار من امثال ابن سينا و الرازي والفارابي ثم نجدهم بعد ذلك يستشهدون بكلام ابن تيمية و الغزالي او يهاجمون بعنف من يأتي علي ذكرهم بأي كلمة انتقاد وكأن سلفنا الصالح هم كائنات خارقة لا يرتكبون الأخطاء وكأن لهم قدسية ليست موجودة في الاسلام لبشر الا للرسل فيما اوحي الله لهم.
ابن سينا وزملائه من أعلام عصور الأزدهار الاسلامي لنعرف جميعا ان الكثير من الأفكار التي نأخذها كحقائق هي ابعد ما تكون عن الحقيقة وأن ابن سينا و الرازي كانا علي طرفي نقيض مع الغزالي وابن تيمية وان الانحدار بدأ فعلا عندما انتصرت ثقافة النقل والتلقين علي ثقافة العقل والتفكير.وابن سينا وامثاله هم اصحاب المنهج العلمي والمنهج العقلي في الاسلام وهم الذين مهدوا الطريق امام ظهور فلاسفة الاسلام وعلمائه بقولهم بالسببية .. أي ارتباط النتائج بالأسباب و هذا هو جوهر المنهج العلمي.
وقد نشر المعتزلة جوا من العقلانية والحرية الفكرية لا تكاد تبلغه حتي الدول الغربية حاليا وقد ادت هذه الروح العقلانية و التي دعمتها حركة ترجمة علوم الحضارات الأخري الي عصر من التنوير العقلي و الحرية الفكرية سبق عصر النهضة في اوروبا وفي هذا العصر ظهر ابن سينا والملقب بالمعلم الثاني بعد ارسطو.. و بالرغم من الخصومات القوية التي تعرض لها من المتعصبين فأنه ترك بصمات قوية علي عصره والعصور التالية ولا يجد المتعصبون اليوم من يفخرون به في الطب غير ابن سينا و الرازي رغم ان كل ادبياتهم تعتبرهم هم و المعتزلة من الزنادقة هذا ان لم يكفروهم.
من الأمثلة علي شجاعة ابن سينا الفكرية التي يفتقدها الكثيرون اليوم قوله ان السعادة و الألم في العالم الآخر لهما وجود روحي بحت يتوقف علي مدي استخدام الانسان او عدم استخدامه لقواه الروحية و الذهنية والبدنية من اجل الوصول الي الكمال في حياته الأولي.. وكم تبدو هذه النظرية مخالفة للفكر السلفي عن مادية الجنة والنار والتي حولهما البعض منهم الي فيلم رعب او فيلم بورنو.
تخيلوا لو جاهر احد من المسلمين اليوم بما جاهر به ابن سينا منذ اكثر من الف عام عن فكرته عن الجنة والنار .. فماذا يكون مصيره؟ اقل شيء اخراجه من المله لأنه أنكر ما هو معلوم من الدين بالضرورة مما يمهد الطريق الي قتله بدماء بارده علي يد فتي متحمس يعتقد بعمله هذا انه الطريق الي الجنة و حور العين.