إن الشیطان لم یقیض لھ الله قرینا من الإنس لأنھ أعلن التمرد من قبل . والشیطان كما یقول
المثل المغربي یخاف ولا یخجل ، ولذلك فھو على خوفھ لا یعرف لھ إیمان بخلاف الجان .
ولو نحن فكرنا في الجن لوجدناھم ابتلوا بنفس ما ابتلي بھ الإنسان ، ولعرفنا أنھم یتخبطون
بدورھم بین الإیمان والكفر بنزغ من الشیطان نفسھ ، ولوجنا أن لھم علاقة ما بالشیطان إلا
أنھا مجھولة . إذ علاقة الإنسان بھ تبدأ برفضھ السجود لآدم لأنھ اعتقد أنھ خیر منھ أصلا ،
أما بالنسبة لما بینھ وبین الجن ، الأمر غیر معلوم ، وفضلا عن ذلك فھو من نفس أصلھم(من
نار) وھذا ینفي احتمالا یروج لھ بعض الجاھلین في كونھ من الملائكة وربما قالوا بذلك
واعتقدوه لمجرد ملاحظتھم مركز الحظوة الذي كان لھ عند الخالق سبحانھ قبل عصیانھ .
إن الإنسان وجد على الأرض لأنھ حمل الأمانة التي عرضھا الله علیھ ولأنھ أعطى موثقا في
بدء خلقھ على ذلك ، ولیس لأن آدم أكل من الشجرة المحظورة . فآدم علیھ السلام تلقى من
ربھ كلمات فتاب علیھ ، وأبناؤه وحفدتھ لم یقربوا الشجرة ولم یروھا قط ، وإنما انحرفوا إلى
الغوایة وانساقوا وراء المحرمات فكان الأمر مشتبھا بینھم وبین أبیھم في البدایة لا غیر، أم ا
فیما بعد ذلك فآدم لم یظل في الخطأ إلى حد الكفر، بینما ذریتھ فعلوا ومازالوا یفعلون.
إن الأمانة إذا لیست ھي العبادة لذاتھا ، وإنما الأمانة ھي أن یعطى الإنسان میثاقا أخذه الله
منھ ثم یوفیھ حقھ من الاحترام والالتزام . ولوجود الشیطان النازع ، فقد أبت السماوات
والأرض والجبال حمل ھذه الأمانة وأشفقن منھا ، وحملھا الإنسان الظلوم الجھول ، فالإنسان
لذلك یخون میثاقھ وبالتالي أمانتھ بعد أن قبل حملھا بما یتبع من خطوات الشیطان فاستحق
لذلك التنكیل وسوء الخاتمة . والشیطان ما جاء إلى الأرض إلا لأجل ذلك ، أما أن تكون
العبادة نفسھا ھي الأمانة فلا یعقل ، لأن كل من في السماوات یعبدون الله وكل ما في الأرض
من دواب نباتات وأحجار یعبد الله الغني عن كل ذلك لأن ألوھیتھ سبحانھ ثابتة بذاتھا لا
بعبادة ھذا المخلوق أو ذاك .
إن الشیطان إذن یدعو الإنسان لیضع الحمل ویریح الكاھل وینطلق إلى الترف والمتعة
المحظورة فكأن الإنسان الفاعل لا یقرب الشجرة المحظورة فحسب ، وإنما یقتات علیھا عمد ا
وضدا على أمر الخالق ونھیھ .
إن للشیطان معرفة وثقافة تظھران في تكبره وتعالیھ ، ومعرفتھ تشمل كل مجال یمكن
تغییره عن الأصل ، ولذلك سماه الله بإبلیس لأنھ یلبس الأشیاء والحقائق فیبخسھا . فھذان
الاسمان یعرفان علیھ فحسب ، أما اسمھ الحقیقي فمجھول . والقوة التي یستعملھا الشیطان
ثلاثیة في شكلھا كما یقول صاحبا كتاب الشیطان اللذان یرمزان إلیھا بمثلث في أحد رؤوسھ
الشیطان ، وفي الرأس الثاني إبلیس ، وفي الرأس الثلث ، القوة المجھولة التي یستمد منھ ا
عناصر الغرور وممیزات الشیطنة وحیلھا وربما في ھذه القوة المجھولة یوجد اسمھ الحقیقي.
ینص كتاب الشیطان على :
((
أن القوة الثلاثية ترجع في أصلھا لملك يعرف (بالجزء السابع).وھو الشخص العلوي الذي له سيطرة
كاملة على الشيطان . والمتصل بالباطن حتى يتعرف على حقيقة الشيطان يتصل بالملك الذي يدخله في
العالم الباطني إلى(أرض الظلمات) حيث يرى الشيطان مسجونا بقوى من نور)) .
إن الكاتبین ھنا یعنیان أن المشاھد في الباطن تتراءى لھ ھذه القوة على شكل رموز النور
یعرفھا المتصلون بالباطن الحقیقي ویعرفون ما یقابلھا من رموز للظلمات ھي نفسھا الرموز
الأولى إلا أنھا قلبت وحرفت بفعل الشیطان وقبیلھ .
ویضیف الكاتبان : عن الشيطان إذ يوجد مسجونا في أرض الظلمات فإن اتصاله بالإنسان يكون
بواسطة الجسم الثاني . أي الجسم الباطني ، وھذا الجسم يستمد من قوة الشيطان المشخصة في باطن
الأرض بنقصان لا كما في الحقيقة . وھذا الجسم الثاني للشيطان الذي يتصل عبره بالجسم الباطني
للإنسان فيوسوس له به حتى كأن نفس الإنسان ھي صاحبة الوسوسة ، أقول ، ھذا الجسم ھو الذي
أطلق عليه اسم إبليس ، بمعنى أن إبليس ھو الجسم الباطني للشيطان .
إن الاتصال الإنساني الشیطاني – حسب ما یقولھ الكاتبان – لا یتم سوى في العالم الباطني
الخیالي الثالث . حیث ھناك تلتقي الأجسام الثانیة البشریة مع الأجسام الثانیة الشیطانیة التي
بإمكانھا الدخول إلى الجسم الظاھري للإنسان .
إن الإنسان یسعى بطبیعتھ إلى السعادة الكلیة والمتعة القصوى ، ولكنھ لم یكن لیعرف
وجودھا لو لم یكن ما یدلھ علیھا . إن دلیل الإنسان في الحیاة ھو الحیاة نفسھا ، غیر أن
التطور الفكري للإنسان لم یتم سوى بواسطة الإملاء الصادر عن الشیطان الذي یملك الفكرة
الأساسیة (والتي بھا رفض السجود لآدم) وھي وسیلة الغرور، فتكون أفكار الإنسان ھي عین
أفكار الشیطان حین التفكیر في السعادة الدنیویة الخالدة . أما في التفكیر الدیني ، فإن الإنسان
إذا أصابتھ بھجة في رحابھ فإنھ یجد أمامھ أن كل نفس ذائقة الموت ، ویستشعر الراحة
لمجرد التفكیر في الموت ولقاء الخالق والمثول الیقین بین یدیھ لأن ذلك ھو الخلود السعید
الحقیقي .
ھل یمكن تسمیة ما وصل غلیھ ذكاء الإنسان الیوم من أدوات ووسائل للدمار والخراب إلا
من ذكاء الشیطان وعلمھ ومعرفتھ؟
عن الإنسان قبل التحدي بتحمل الأمانة ، ولكنھ نسي أنھ للشیطان وللغرور وللانحراف
ولیس تحد للخالق ولسنتھ وأوامره ونواھیھ . فانتباه الإنسان على السلطة والنفوذ والسعادة
الدنیویة یفقده الانتباه إلى نفسھ فیجدھا الشیطان فرصة سانحة لنسج خیوط علمھ – الذي ھو
علم ضلالة – حول ھذه النفس فتكرس ما ألھم من فجور وتسیر في ركب الشیطان الذي
یسكنھا فیبدو كل منھما كأنھ جزء من الأخر، لذلك یظل الإنسان یسأل عن الشیطان یرید أن
یراه وھو بداخل نفسھ!
إن من أراد أن یعرف مبدأ إبلیس وجنوده فما علیھ إلا أن ینظر ویتأمل أفكار من لا
یرجو لقاء ربھ ، فیجدھا جلیة واضحة في كل ما ھو بین یدي إنسان الیوم. فالعالم الحاضر
شمل المغزى العمیق المظھر للحقیقة التي أراد الشیطان أن یعیشھا بین الناس ، والتي سعى
إلیھا منذ نزولھ رفقتھم إلى الأرض . وھي حقیقة شاملة للفساد بأنواعھ والشعوذة بضروبھ ا
والمتعة بأشكالھا ومراتبھا المختلفة .
إن الفكر الشیطاني لا وجود فیھ لمسطرة معینة أو قانون محكم . فھو مثلا وعد الله فوفى
بوعده ، وكان وفاؤه في حد ذاتھ خیانة . لأنھ وفاء یشمل الإبقاء على الكذب والغدر والمكر
والفسق والحسد وغیرھا من درر الشیطان وحبات عقده وسبحتھ .
ومن أراد أن یعرف قانون عمل الشیطان، فلیعلم أن ھذا القانون مبھم ، إنھ یحكم بموجبھ
بعدل یحمل كل الظلم ، وبظلم عادل في حقیقتھ . فحین یحكم على المؤمن یأخذ بحلم ورقة
ودون عناء على الشط فإذا ھو شاطئ الغوایة والرجس فیكون قد ظلمھ من حیث رفق بھ .
وإذا حكم على الكافر ظلمھ وقسا علیھ وأزه ونكل بھ فیكون ذلك الظلم حاملا في عمقھ منتھى
الحنو الظاھري . فالویل لمن زل بنفسھ وزلت بھ نفسھ إلى حیث یمثل أمام محكمة
الشیاطین . لأنھ لن یكون في حالتي الظلم والعد إلا خاسرا مكبا على وجھ من الحسرة حین لا
تنفع الحسرة .
وحول عبقریة الشیطان جاء في الكتاب : ((إن ھذه العبقرية لم تكن نتيجة بحوث علمية ، أو تلقي
دروس مدرسية ، ولم يكن إبليس خريج كلية أو جامعة ، بل الشيطان أسس أول مدرسة ابتدائية منذ
وجود البشرية يعلم فيھا التراث الإنساني الشامل للجھل والكفر. وقد انتشرت دعوة إبليس منذ أن فتح
أول معبد عبدت فيه الأصنام ، وتطور مضمونھا (الدعوة) منذ أن كتب أول كتاب سحري مستنبط من
رجس الشيطان)) .
إن المرء لیستغرب لأمر إبلیس ویظل یسأل عن المورد الذي یمده بكل أفكاره وحیلھ
ومعلوماتھ وطرق إغرائھ وقوة سیطرتھ . ویجیب كتاب ((الشیطان)) على ھذا التساؤل بالقول:
((
إن كل فكر إنساني أو شيطاني إلا وله عقلية من المستمد وموضع الاستمداد . فأما الشيطان فيستمد
من نقطة سواد بأرض بابل ، وقد جعل الله فيھا كل الأفكار الخبيثة ، وبابل فيھا الملكان ھاروت
وماروت وقد كلفا بقوانين السحر)) .
أم عن لغة الشیطان فیضبف الكتاب :
((
إننا لو طلبنا من إبليس أن يكتب لنا كتابا بخط يده لملأ صفحاته بخطوط معوجة ، ولرسم أشكالا لا
معنى فيھا ، ولكتب اللغة العربية مقلوبة ، وذلك لأن إبليس يعرف الطريقة الأصلية لتغيير أسماء الله
الحسنى وكلماته وآياته)) .
إن معنى ھذا : أن الذین یودون الاطلاع على كتابة الشیاطین وطرقة تعبیرھم ما علیھم إلا
أن یتحسسوا ذلك ویلتمسوه عند أولئك الذین یكتبون الأوفاق والجداول والطلاسم بھدف زرع
الفتنة بین الناس ، بینما ھم یدعون في عملھم خیرا وبركة .
لقد كان الأنبیاء والرسل ینھون عن الخوض في الكلام الذي لا معنى لھ ، ومن باب
الخوض فیما لا معنى لھ أن یأخذ الإنسان الورق والقلم – وذلك یحل في محل القول – فیرسم
أو یكتب ما لیس لھ معنى ... فكثیرا ما یصادف رسم أو خط شكلا أو
رمزا أو طلسما من عالم الظلمات فیلصق الكاتب أو الرسام بنفسھ مالا طاقة لھ بھ ، ویغدو
في رحمة موضع استمداد ، وبالتالي ، في رحمة صاحب نقطة الاستمداد المودعة في عالم
قوى الظلمات .
إن الوسائل المتوفرة لدى إنسان الیوم من آلات وطاقات ومواد مختلفة ومركبات لن تفیده
في شيء إذا ھو أراد استعمالھا لمعرفة مكان الشیطان . فھذا المكان ونحوه لا یمكن إدراك
علم عنھ سوى بالعلم الدیني . فالشیطان من الأمور الغیبیة ، ومن یؤمن بالغیب فلا مجال لدیھ
إلى طرق ھذا الضرب من الموضوعات .
إن الشیطان انطلاقا من ھذا یظل مجھولا لإنسان المتشبث بعلم الجھل ، وھو ما یطلق
علیھ لفظ علم من حیث لا یحمل غیر الضلالة ولا یؤدي إلا على سوء العاقبة مھما كانت
مواصفاتھ وطبیعتھ العلمیة ، ومھما بلغت زخارفھ وسعادتھ الآنیة الآیلة على الأفول ، وتظل
معرفة أمر الشیطان فرصة ممكنة للمؤمن بخلاف ذلك ، لأنھ سیظل یذكر دوما أن وراءه أو
على شمالھ مخلوق یترقبھ عن قرب أو عن بعد یتحین الفرصة للإیقاع بھ ، فیراقب نفسھ
ویلزمھا وحدودھا فلا یدع لھذا المراقب فرصة للاقتراب منھ أو الإلقاء إلیھ بخیوطھ وحبالھ .
إن تجلیات عمل الشیطان كثیرة ومتنوعة ، وبینھا أن یسقط الإنسان من مرض أو عیاء
أو لسبب آخر فیغمى علیھ ثم یدخل في حالات غیر عادیة ، یتحدث بعده بلغة أو لغات غریبة
أو یكتب بھا ، فیطلب ذبائح وھدایا . فیكون الأمر في حقیقتھ لیس من عمل الجن كما یقول
البعض ، وإنما ھو الجسم الثاني(الباطني) للشیطان یكون قد اتصل بالجسم الباطني للإنسان
المعني فتندمج قواھما العقلیة فیتحدث الشیطان بلسان المریض ، ویترجم رغائبھ بمختلف
اللغات ، أو بإحداھا ، وتكون الذبائح والھدایا بمثابة قرابین تأخذ دورھا في عالم الباطن
الخیالي وتؤدي ذلك الدور إذا قامت فعلا على مستوى الظاھر. ولذلك یمكن القول إن م ا
نشاھده من ذبائح وھدایا تقدم إلى الیوم في مثل الحالة المذكورة ، لا یمكن إلا أن تكون عملا
إلحادیا وثنیا من أعمال الشیطان القدیمة . وفي الباطن لا وجود لفرق بین الأمس والیوم ،
وإنما ھي قوى موجودة إما من نور یزید الله في توھجھا ، وإما من ظلمات تسعى أعمال
الشیاطین والكفرة والملحدین إلى ترسیخھا وما ھي براسخة إلا أن یشاء اللھ .
إن جمیع أنواع اللعب واللھو التي لھا أثر في صلاح الجسم أو العقل من عمل الشیطان .
لأن ذلك ما وجد إلا لیلھي عن عبادة الله . والناس ما خلقوا إلا لیعبدوه ، ومن باب العبادة
الصلاة والصوم والزكاة والحج والعمل من أجل الرزق الحلال ، وكل ذلك یحول اللھو
واللعب دون قیام الإنسان بھ .
إن الشیطان لا یتعقب الإنسان في ظاھر الأرض فحسب ، بل یتخطى ذلك فیترصد لھ في
الباطن إن كان ممن یسلك طریقھ في الباطن نحو الحقیقة فیطرح علیھ أسئلة یرید إعجازه بھ ا
ووضعھ في موقف ضعف یسھل علیھ أن ینقض علیھ خلالھ فیسحبھ إلى السبیل المعاكس .
ومن ضمن ما یطرحھ من أسئلة ، یستفسر السالك عن الكعبة فیطلب منھ توضیح الفرق بینھ ا
وھي من الحجر وبین الأصنام ، ثم یسألھ عن حقیقة القبلة ، مع العلم أن وجھ الله یوجد حیثم ا
ولى المؤمن وجھھ . وھذه الأسئلة تشكل عقبة كأداة لمن لم یوفق في الإجابة عنھا الإجابة
الصحیحة . ویتبع الشیطان ھذا الأخیر في أفكاره فیطورھا في مفھومھا وفق احتمالات معقدة
یعجز معھا الفكر على الانطلاق صوب الاعتقاد الصحیح .
إن من الغرائب ما یمكن أن یسمعھ الإنسان ، ھو أن الشیطان لا یعرف فنون السحر إلا
عن طریق بني آدم . فإبلیس یغري الإنسان إلى الاتصال بنقط وقوى استمداد السحر وفي
قمتھا الملكان ھاروت وماروت ببابل ، ثم یتعلم الشیطان ما أراد من ذلك بواسطة الشخص
المتصل بالملكین . ((إن الشيطان – یضیف الكاتبان – لا علاقة له بالملكين ((ھاروت وماروت)) إلا أن
بداية الضلالة تكون بواسطته ، ثم بالاتصال بھاروت وماروت )) .
إن الإنسان – بھد ھذا – مخیر بین خوف وخوف بین أن یخشى الله فیكون بذلك قد حقق
نصیبا من العلم وقد قال تعالى {إنما یخشى الله من عباده العلماء}. وبین أن یخشى الشیطان
فیكون مغترفا لعلم جھلي في أصلھ . وفي الخوف الأول یكون الإنسان مطمئنا آمنا لا یخاف
شیئا البتة . وفي الخوف الثاني یفقد الإنسان أمنھ فیظل في خوف من الله رغم التظاھر
بالعكس ، ویأخذ منھ أیضا خوفھ من الشیطان ومن وعوده بالفقر والمرض والجنون
والضعف أیما مأخذ . وقد بین الله في كتابھ العزیز مجمل ذلك لمن یتفكر. وفي العلوم الدینیة
دقائق وجزئیات تعز عن الحصر والوصف .