سلام الله عليكم
ابناؤنا في هذه الدائرة المباركة ..
في الكثير من المدارس الصوفية والباطنية القديمة .. من الهرمسية إلى التصوف الإسلامي والفلسفات الشرقية كلها تتحدث عن ( العالم الأثيري ) باعتباره مستوى من الوجود بين المادة والروح.
في الفكر الهرمسي يرمز إليه بجسم الطاقة أو القالب النوراني للجسد و الروح ..
في التصوف الإسلامي لدى كل الطوائف الصوفية الحقيقية نجد إشارات إلى عالم الملكوت حيث تتجلى الصور النورانية والمعاني قبل أن تنعكس في العالم المادي.
لدى العارفين و حكماء البوذية والهندوسية يعبرون عنه بمصطلحات مثل براهمان أو الماناس وهي مستويات وعي تتجاوز الإدراك الحسي.
تتفق هذه الرؤى على أن الإنسان بصفاء روحه وتوازن طاقته يستطيع الانتقال و التوسع في الوعي إلى تلك العوالم.
علميا ...
العلوم الحديثة — خصوصا الفيزياء النظرية لا تؤكد وجود عالم الاثير بالمعنى الميتافيزيقي .. لكنها تطرح مفاهيم قريبة رمزيا مثل..
الأكوان المتعددة (Multiverse) أو الأبعاد الإضافية في نظرية الأوتار.
فكرة أن كل شيء في الكون هو ذبذبة طاقية (اهتزازات في الحقول الكمومية).
باطنيا او روحيا او ايمانيا ..
عالم الأثير لا نعتبره خيالا ميتافيزيقيا .. بل نعتبره صورة من صور الوجود الكوني الممتد في طبقات لا تحصى .. بعضها تدركه الحواس .. وأكثرها يدرك بالبصيرة فقط ..
يمكن القول انه البعد الذي يتخلل كل الأبعاد .. الميدان الذي تتقاطع فيه الذبذبة مع النور والمكان الذي تتجلى فيه الحقيقة قبل أن تلبس رداء المادة.
فكل ما في الوجود.. من ذرات ومجرات وأرواح.. ما هو إلا تجل لجوهر واحد يتجلى في صور لا متناهية.
وقد عبر العلماء الفيزيائيون عن هذا الجوهر بلغة الطاقة والحقول الكمومية .. بينما عبر العارفون عنه بلغة النور والسر الإلهي.
وما بين الطريقتين.. يتبدى المعنى الواحد في ثوبين.. معادلات فيزيائية للذهن وآيات كونية للقلب.
الإنسان ليس كائنا محدودا بالجسد.. بل هو مرآة مصغرة للكون.. تحمل في داخلها طاقته الكبرى.
فكما أن الذرة تتكون من فراغات طاقية أكثر من مادتها ..كذلك الإنسان في جوهره طاقة من الوعي يمكنها أن تتناغم مع الذبذبات العليا للوجود.
والنور في جوهره طاقة واعية لا ترى إلا بالبصيرة.
حين يصفو القلب وتطهر النية .. يتسع مجال الأثير في الإنسان .. فيصبح قادرا على التقاط ترددات كونية أرفع كما تلتقط الهوائيات إشارات البث البعيد.
فالكون ليس صامتا .. بل ممتلئ بالأغاني الخفية .. مليء بنبض دائم من طاقة الحياة التي تسري في الذرات والنجوم.
ومن ينصت بقلبه .. يسمع هذا النبض .. ليس بالأذن بل بالروح.
وقد أدرك بعض العلماء هذه الحقيقة بلغة الرياضيات حين قالوا إن الكون ليس مادة فحسب بل موجات متداخلة في نسيج الزمكان.
أما الأولياء والعارفون فقد عبروا عنها بقولهم.. إن الوجود أنفاس الرحمن .. وإن كل ذرة تسبح باسمه.
العلم يصف الظاهرة .. والإيمان يذوق معناها .. والعاقل من جمع بين العقل والروح ..
وعندما يبلغ الإنسان وعيه الأسمى .. ويتحقق فيه التوازن بين الفكر والنور.. ( و هذا ما يعمل عليه المرشد ابو شاهين مع ابنائه حاليا باتباع خاصية الاحتراق قبل الاختراق و تقوية الوعي الكلي و تقوية الحدس و التواصل العقلي عبر الذبذبة الروحية ) ساعتها فقط يمكن لأثيره أن يفتح له بوابةً في نسيج الزمان والمكان.
هذه ليست بوابة مادية كما يتخيلها العقل .. بل حالة اندماج بين الوعي الكوني والوجود المطلق .. حيث تزول المسافات ويصبح الأن و ما بعد شيئا واحدا.
قال سيدنا ابن عربي .. العالم كله خيال في خيال .. وإن الحق هو الذي يمده بالوجود في كل لحظة.
وفي هذا القول إشعار بأن كل كيان في الكون يستمد وجوده من مصدر باطني واحد و هو الأثير الإلهي أو الوعي المطلق.
الإنسان في جوهره شعاع من ذلك النور وكلما صفا باطنه من شوائب النفس (اللوامة و الامارة بالسوء ( اتسع اتصاله بالمصدر حتى يشعر بأنه ليس جزءا من الكون بل الكون كله فيه.
وهنا يتحقق ما يسميه الباطنيون الفناء في الواحد .. حين يذوب أنا الإنسان في بحر الوعي الكوني يدرك أن الأثير والروح والوجود شيء واحد يتجلى بأسماء وصور لا تنتهي.
في هذا الزمان لم يعد زمن الصراع بين العقل والإيمان .. بل زمن التلاقي.
فالعلم .. حين يتعمق في جوهر المادة .. يجد نفسه أمام أسرار لا تفسر إلا بلغة الوعي ..
والإيمان .. حين يتعمق في جوهر الروح يدرك أن القوانين الكونية ليست سوى سنن إلهية دقيقة.
عالم الأثير ليس خارجنا .. بل فينا ومن حولنا.
إنه الميدان الذي يعبر عن حضور الله في الخلق .. وعن تواصل الوعي الإنساني مع الوعي الكوني.
وإذا ما استطاع الإنسان أن يوحد علمه بعرفانه .. وفكره بإيمانه .. سيكتشف أن سر الوجود لم يكن يوما بعيدا عنه ..
بل كان يتجلى فيه دائما .. من خلال الأثير الذي يسكن في قلبه.
وفي أنفسكم أفلا تبصرون.